
[align=center]معنى أنّ { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِّنْ أَلْفِ شهَرٍ }
فقد رأى رسول الله بعض أبناء الأمم السابقة من بني إسرائيل قد حمل سيفه على عاتقه مدّة ألف سنة و خاض المعارك وجاهد في سبيل الله، فقال النبيّ: عمر أمّتي قصير، و أعمالهم و تكاليفهم قليلة أيضاً، فليس لديهم تكاليف بمقدار ما كان على الأمم السابقة، فكيف ستعوّض ما يفوت عن أمتي من أعمال تلك السنوات المديدة
ماذا ستعطي لأمّتي؟
فجاء الخطاب أنّ الزمان قصير، و العمل قليل، ولكنّ الكيفيّة في غاية الجودة، سنعطيهم ليلة القَدر
فليلة القدر: { خَيرٌ مِّنْ أَلْفِ شهَرٍ }
و كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) نائماً أيضاً فرأى في عالم الرؤيا أنّ بني أميّة يصعدون مِنبره وينزلون عنه على هيئة القردة، فكان كلّ من صعد على منبر رسول الله و نزل من القردة، وكانوا يرجعون الناس القهقرى
أي: يجعلون الإسلام يتراجع إلى الوراء متقهقراً إلى آداب الجاهليّة
أفاق النبيّ (صلوات الله عليه وآله) من نومه متأثّراً جدّاً، لقد كان المنام مناماً مؤثّراً، وكان لا يزال كئيباً حزيناً، هكذا كانت حال النبيّ على حزن وغمّ إلى أن نزل جبرائيل (عليه السلام): السلام عليك يا رسول الله، مالي أراك كئيباً حزيناً؟ لماذا أصبحت هكذا؟
فقال رسول الله : يا أخي يا جبرائيل، لقد رأيت رؤيا في الليلة الماضية و أنّ القردة تنزل على منبري، وقد أخذوا كل درجات المنبر، و رأيتهم يرجعون الناس القهقرى إلى الجاهليّة
فقال جبرائيل لا علم لي بذلك، دعني أذهب و آتي لك بالخبر
فصعد إلى مقام عزّ القدس الربوبيّ
و عاد بهذه الآية: { أَفَرَءَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ *ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كاَنُواْ يُوعَدُونَ * مَا أَغْنىَ عَنهُم مَّا كاَنُواْ يُمَتَّعُون}
يا رسول الله إذا متّعناهم سنين متمادية من لذّات هذه الدنيا الفانية وشهواتها، ثمّ يصل إليهم نتيجة أعمالهم القبيحة، فماذا سيستفيدون من هذا التمتّع و من تلك الشهوات و اللذات في الدنيا
{ إنَّا أَنزَلْنَاهُ فىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَ مَا أَدْرَئكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِّنْ أَلْفِ شهَرٍ }
نحن سنعوّضك عن ذلك بليلة القدر، وليلة القدر أفضل من ألف شهر
لقد كانت مدّة حكومة بني أميّة 84 سنة، و 84 سنة تعادل ألف شهر، نعم لقد كانت مدّة حكومة بني أميّة ألف شهر، و ليلة القدر خير من ألف شهر
نحن أعطينا أمّتك ليلة تفوق متعة و لذّة ما يحصل عليه الناس في ألف شهر من المتع الماديّة، و في هذه الليلة يحصلون على متع ألف شهر من المتع الروحيّة و المعنويّة، وليلة القدر هذه هي لأمتك، وليست لأيّ أمّة من الأمم السابقة، ليلة ما أعجبها من ليلة، ليلة تكون فيها كل أبواب الجنان مفتّحة وكلّ أبواب جهنّم مغلقة
ليلة القدر ليلة نزول إرادة الله في الموجودات و ليلة التصرّف في الكائنات تحت اختيار الإمام (عليه السلام)
وأنّى يمكن المقارنة بين هذه القدرة مع القدرات الخارجيّة و الحكومات الخارجيّة التي حكمها بنو أميّة بين الناس في سنوات معيّنة، تلك الحكومات الناشئة من الشهوات و النفس و الخيالات الباطلة، والتي تتبعها العذابات الصعبة التي ستحلّ عليهم من قبل الله.
نحن أعطيناكم ليلة القدر، يوم تتويج الإمام و إجلاسه على عرش عالم المعنى في كل زمان.
ففي زمان النبيّ كانت الملائكة تنزل على النبيّ، و في زمان أمير المؤمنين تنزل على أمير المؤمنين، و في زمان الإمام الحسن هي في خدمة الإمام الحسن، وهكذا في زمان كل وليّ من الأولياء من أصحاب مقام الإمامة تنزل الملائكة لتكون في خدمة ذلك الإمام
إلى زمن إمام زماننا (عجّل الله تعالى فرجه)، و في كلّ ليلة من ليالي القدر، من أوّل الليل إلى أذان الصبح، تنزل كل ملائكة الرحمة برفقة جبرائيل، و تنزل برفقة الروح، وعندها يكون ذلك الليل ليلاً روحانياً، ليلة يتعبّد فيها الإنسان، وثواب عبادته أكثر من ألف شهر عبادة، هذه هي العلّة في ذلك. و كلّ هذا مذكور في الروايات، وهي عجيبة جداً، و إذا ما اطّلع أحد على الروايات فسيطلع على حقيقة الأمر، والروايات موجودة في تفسير مجمع البيان و في تفسير الصافي و تفسير البرهان فقد جمعت فيها كلّ الروايات، وخصوصاً في تفسير البرهان، وكلّ هذه الروايات ترغّب في ليلة القدر .
الأولياء و الصالحون و المخلصون ينتظرون طوال السنة ليلة القدر هذه، وهم يدعون أن يا ربّ إذا كان الموت مقدّراً لنا في هذه السنة، فاجعلنا ندرك ليلة القدر ثمّ نموت بعدها، لقد كانوا متعطشين إلى ليلة القدر، لأنّ ثواب ليلة من العبادة هو ألف شهر عبادة، قول الله أكبر مرّة واحدة، كأنّما قال الإنسان لمدّة ألف شهر الله أكبر، صوم يوم واحد كأنما صام ألف شهر، قراءة آية في سطر واحد من القرآن كأنما قرأ آية قرآن لمدّة ألف شهر.
إذن و بناءً على هذا ما العلاقة بين أولئك الذين كانوا يحملون السيوف و يجاهدون في سبيل الله ألف شهر أو ألف سنة وبين هذه الليلة، حيث يقوم العبد لله عز وجلّ في ليلة واحدة ، و تتحقق فيه كلّ تلك المعاني ؟! لا تعجبوا !!
فهذه الطريق التي فتحها رسول الله، (بكم فتح الله)، فكلّها من بركات الرسول، هو فتح النافذة، فأفيض النور على العالم.
يذهب طفل إلى المدرسة فيدرس لمدّة سنة، ويذهب طفل آخر فيدرس لمدّة ستّة سنوات، ومع ذلك فهو لا يفهم بمقدار الطفل الذي درس لمدّة سنة.
فهل فكر البشر على نحو واحد؟! هناك شخص حادّ الذكاء، سريع البديهة، قويّ الحافظة، كبير الاستعداد، بينما هناك شخص بطيء؛ لذا فقد يصل شخص بليلة، بينما لا يصل آخر حتّى بألف شهر.
إذاً لا تعجبوا من أمر الله إذ أفاض على أمّة نبيّ آخر الزمان إفاضة صاروا بها يحصلون من أثر ليلة من العبادة على ذلك المقدار من الفوائد الروحيّة و المعنويّة، مع أنّ الأمم السابقة لم تكن لتحصل على ذلك حتّى بألف سنة.
{ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِّنْ أَلْفِ شهَرٍ } لماذا؟
الآية تفسّر ذلك، فالآية بيّنت ذلك: { تَنزَّلُ الْمَلَئكَةُ وَ الرُّوحُ } الملائكة تتنزّل، فما هو أصل التنزّل؟
(تتنزّل) فعل مضارع، وهذا يدلّ على أنّ ليلة القدر، ليست ليلة واحدة كانت في زمن النبيّ فانتهت و ذهبت، بل في كلّ سنة وبشكل دائم تستمرّ هذه الليلة، و الملائكة و الروح تتنزّل، والروح هو موجود أعظم من الملائكة و أعظم من جبرائيل ينزل في هذه الليلة
{ من كلّ أمر } ينزل الأمر من ذلك العالم، فينزله معه من ذلك العالم إلى الدنيا
{ من كلّ أمر } من كل أمر و من كلّ ملكوت
{ إنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } أمر الله الموجود في ذلك العالم ليس له قالب وهو متعيّن ولا متشخّص، و هذه الملائكة، و جبرائيل و الروح الذين لهم السنخيّة مع ذلك العالم المجرّد، يتنزّلون، وينزلون معهم من ذلك الأمر إلى سماء الدنيا، فیجعلونه فی قوالب خاصّة و يجعلون له تشخّصاً، ويجعلون له قدَراً، أي: يعيّنون مقداره، ولذلك يقولون (ليلة القدر)
فقَدْر وقَدَر لها نفس المعنى، فهما من مادّة التقدير، يعني التعيين و التشخيص، في هذه الليلة يتشخّص كل شيء.[/align]
[align=center]المصدر/ تفسير سورة القدر للسيد محمد الحسيني الطهراني قدس سره[/align]