بسم الله الرحمن الرحيم[/align][/font]
[align=center]الهدف من الامثال من لسان القرآن[/align]
إن الهدف من الأمثال بُيّن في بعض آيات القرآن، نأتي بثلاثة نماذج ونستنتج منها ثلاث مراحل لتأثير الأمثال على النفوس، :
1-الاولى: مرحلة التذكر وهي مرحلة مرور حقيقة الخطاب الالهي في الذهن.
في الاية 25 من سورة ابراهيم بعد ما شبّه (الكلمة الطيبة) بالشجرة الطيبة - يقول في اخر الاية:
(وَيَضْرِبُ اللهُ الأمثالَ للناّس لَعَلّهُم يَتَذَكّرون).
2-الثانية: مرحلة التفكر، وهي مرحلة التفكير في موضوع المثل وحكمته.
في الاية 21 من سورة الحشر بعد ما يشبّه بعض القلوب بالجبال وان امكانية التأثير على الجبال اكثر من امكانية التأثير على هذه القلوب يقول في نهاية الاية :
(وتِلْكَ الأمثَال نَضْرِبُها للناس لَعَلّهُم يَتَفَكّرُون) .
3 -الثالثة: مرحلة التعقل وهي مرحلة ادراك وهضم الحقائق.(1)
وفي الايات 40 - 43 من سورة العنكبوت، بعد ما يشبّه من اتخذ اولياء من دون الله بالعنكبوت الذي يتخذ بيتاً وهناً . يقول في نهاية الآية :
43(وَتِلْكَ الأمثال نَضْربُها للنّاسِ ومَا يَعْقِلُها إلاّ العَالِمُون) وحسب ما في هذه الاية فإنَّ تعقل العلماء هو من اهداف تلك الامثال.
[align=center]

[align=center]أهمية خطاب المثل[/align]
إن الناس في كثير من الأمور يعدّون الكبير دليلا على العظمة والصغير دليلا على قلة الأهمية، لكن الواقع ليس كذلك فالمهم هو الخطاب الذي يحمله ذلك الشيء أو يستهدف المتكلم بيانه. والأمر كذلك في القرآن فالمهم هو الخطاب الذي يوجهه ويهدفه من خلال المثل لا عظمة او حقارة (الممثل به).
يقول الله في الاية الشريفة 26 من سورة البقرة:
(إنَّ اللهَ لا يَسْتَحي أنْ يَضْرِبَ مَثْلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فأَمَّا الذَّينَ آمنُوا فيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقّ منْ رَبِّهمْ وأمَّا الذين كَفَرُوا فيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِى بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلاّ الفاسقين).
[align=center]

[align=center]إنَّ التأمل في الاية يرشدنا إلى النتائج التالية[/align]
الاولى: ان الله تعالى اعتبر الهدف من الامثال هو هداية البشر.
الثانية: ان موضوع المثل ومحتواه يحظى بأهمية تفوق اهمية المضمون الظاهري والموجودات المذكورة في المثل.
الثالثة: إن المخلوقات جميعاً ولو كانت بعوضة تكشف عن عظمة الخالق.
[align=center]

[align=center]نذكر هنا باقتضاب شأن نزولها[/align]
ان المنافق يتحجج ويماطل ويتذرع بالتبريرات الباطلة في كل قضية ومسألة،وغايته هي المشاكسة والمخالفة وزرع بذور الشك والاختلاف وايذاء الآخرين
عندما نزلت بعض الامثال القرآنية بدأ المنافقون بالترديد في المسألة والاشكال فيها والقول: (ما هذه الامثال التي جاءت في القرآن)؟ إنّ شأن الله أرفع من ان يمثل بموجودات ضعيفة مثل الذباب(2) والعنكبوت، او ان يمثل بموجودات جامدة مثل الرعد والبرق(3) وقد كانوا يهدفون من هذا الحديث القاء التشكيك في الهية القرآن ومصدره الرباني، وان القرآن ليس من الوحي الالهي.
بالطبع، لو لم تنزل هذه الايات والامثال او نزلت بكلمات وصياغات معقدة لتمسك المنافقون - قطعاً - بذرائع اخرى ولقالوا: (كيف يمكن لهذا ان يكون كلام الله مع انا لا نفهم منه شيئاً)؟ او لقالوا: (لماذا لم ينزل الله هذه المفاهيم والحقائق بلغة بسيطة يفهمها الجميع)؟ كما ان هذا قد حصل لشعيب (عليه السلام) وقد حكته الآية الشريفة (91) من سورة هود:
(قَالُوا يَا شُعَيْبُ ما نَفْقَه كَثِيراً مِمّا تَقُولُ وَإنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاك وَمَا أنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز).
يستفاد من الآية ان التمسك بالذرائع كان منطقهم، من جانب اخر كانوا يقولون
: (لا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ) أي لا نفهم ما تقول، ومن جانب اخر يقولون: (لَوْلا رهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ) أي لولا قبيلتك لقتلناك فيجيبهم شعيب(عليه السلام): (قَالَ يَا قَوْم أرَهْطِى أعزُّ عَليْكُمْ مِنَ الله؟!).[] (4)
بما ان المنافقين اللجوجين كانوا يشككون ويحتجون على التمثيل بالجمادات او الموجودات الضعيفة جاءت الاية 26 من سورة البقرة لتجيب عليهم وتدحض حججهم: (إنّ اللهَ لا يَسْتَحِي أنْ يضرِبَ مَثلا ما بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَها...).
إنّ بلاغة الكلام تقتضي تارة التمثيل بالموجودات الكبيرة وتارة بالموجودات الصغيرة; فكلما اريد من التمثيل بيان العظمة شبّه بشيء كبير، واذا ما اريد بيان ضعف الشيء وخواءه شبّه بشيء ضعيف وصغير من الحيوانات والجمادات.
وعلى هذا; فان التمثيل بالشيء الكبير لا يدل على فصاحة الكلام وبلاغته دائماً. اذن، لا اشكال على القران عند تمثيله بشيء يتناسب مع موضوع المثل والهدف منه مهما كان صغيراً او كبيراً.
ان المؤمنين والصالحين، حيث يعلمون بحقيقة هذه الامثال ومحتواها، يعلمون بانها الحق وأنها من ربهم ولا ينكرونها، لكن المنافقين والكافرين لتعصبهم ولجاجتهم يقولون: «مَاذَا أرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ويَهْدِى بِه كَثِيراً»؟!.
إنّ خطأ المنافقين الكبير هو عدم توجههم او عدم رغبتهم للتوجه إلى أنّ بلاغة القرآن وفصاحته أحد وجوه إعجاز القرآن المجيد والرسول الكريم.(5)
إنّ الفصاحة والبلاغة بتعبير مقتضب هما عبارة عن ما يلي: إنّ ظاهر البيان إذا كان جميلا قيل انه فصيح، واذا كان ذات معنى رفيع شاناً قيل انه بليغ.وعلى هذا; الفصاحة والبلاغة - وهما من وجوه اعجاز القرآن - يعنيان الجمال الظاهري والرفعة في محتوى الخطاب.
حقاً ان القرآن فصيح وبليغ أي ان ظاهره جميل وجذاب يدعو إلى الإصغاء اليه، ومحتواه رفيع معنى وشأنا. ان بلاغة القرآن وفصاحته إلى درجة جعلت الاعداء تسميه السحر! وذلك لأنه يجعل الصاغي يسلّم اليه ويخضع له، وهذا بحد ذاته اقرار واعتراف بجاذبية القرآن الشديدة والخارجة عن المتعارف. إنّ كثيراً من الناس آمن اثر سماعه آيات من القرآن.
[align=center]

[align=center]خطابات الاية[/align]
- البعوضة ليست حيواناً حقيراً!
إنّ كثيراً من المفسرين المعروفين ومنهم المرحوم الطبرسي (ره) في تفسيره القيم (مجمع البيان) ينقل حديثاً عن
الامام الصادق(عليه السلام)في ذيل الاية، حيث قال:
«إنما ضرب الله المثل بالبعوضة لأن البعوضة على صغر حجمها خلق الله فيها جميع ما خلق في الفيل مع كبره وزيادة عضوين آخرين فأراد الله تعالى أن يُنبّه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه وعجيب صنعه» .(6)
ان الله في الحقيقة أراد بهذا المثال بيان ظرافة الخلق، وان التفكّر في هذا الحيوان الضعيف ظاهراً - الذي خلقه الله شبيهاً لأكبر حيوان في اليابسة - ليرشد الانسان إلى عظمة خالقه.
ففي جسد البعوضة ضعيفة الجسم نفس الاعضاء الموجودة في فيل ضخم. ففيه جهاز الهضم، وخرطوم دقيق ذات منفذ رفيع، وأعضاء للحركة واجهزة للتناسل و.. اضافة إلى هذا، فان للبعوضة قرنين تشبه الهوائيات وذلك للتواصل فيما بينها وبين البيئة المحيطة بها وهو أمر يفقده الفيل.
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
1. يمكننا الاخذ بنظر الاعتبار احتمالين آخرين، الأول: تقسيم الامثال حسب النتائج، فبعضها تذكّر وبعضها تجعلنا نفكر وبعضها تؤدي إلى الاستيعاب والادراك. الثاني: تقسيم الامثال حسب المخاطب، فالمخاطب على ثلاثة أقسام وكل من الاقسام الثلاثة الماضية للامثال تختص بقسم من المخاطبين.
2. الآية 73 من سورة الحج: «يَا أيّهَا النَّاس ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابَاً وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّ الِبُ والمَطْلُوبُ».
3. يأتي شرحها في المثل الأول والثاني.
4. هود الآية 92 - 93.
5. للقرآن وجوه اعجاز كثيرة والبلاغة والفصاحة هي أحد تلك الوجوه; أما بقية الوجوه فعبارة عن: أ - اعجاز القرآن من وجهة نظر العلوم الحديثة والاكتشافات العلمية. ب - اعجاز القرآن من الناحية التاريخية. ج - اعجازه من حيث وضعه للقوانين. د - اعجازه من حيث اخباره عن الغيب. ذ - اعجازه من حيث المعارف الالهية. ر- اعجازه من حيث عدم احتوائه على التضاد والاختلاف. راجع نفحات القرآن 8:93 فما بعدها إذا ما رغبت في التفصيل.
6. مجمع البيان، ذيل الاية.
________________________________________________________
أمثال القرآن ، تأليف: آية الله العظمى مكارم الشيرازي
مؤسسة اٌلإمام الكاظم (ع)-المكتبة العامة - مكتبة القرآن الكريم وعلومه